ابن قيم الجوزية
338
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وقال يوسف بن أسباط : لو بلغني أن رجلا بلغ في الزهد منزلة أبي ذر وأبي الدرداء وسلمان والمقداد وأشباههم من الصحابة رضي اللّه عنهم ما قلت له زاهد . لأن الزهد لا يكون إلا في الحلال المحض . والحلال المحض لا يوجد في زماننا هذا . وأما الحرام : فإن ارتكبته عذبك اللّه عزّ وجلّ . ثم اختلف هؤلاء في متعلق الزهد . فقالت طائفة : الزهد إنما هو في الحلال . لأن ترك الحرام فريضة . وقالت فرقة : بل الزهد لا يكون إلا في الحرام . وأما الحلال : فنعمة من اللّه تعالى على عبده . واللّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده . فشكره على نعمه ، والاستعانة بها على طاعته ، واتخاذها طريقا إلى جنته : أفضل من الزهد فيها ، والتخلي عنها ، ومجانبة أسبابها . والتحقيق : أنها إن شغلته عن اللّه « 1 » . فالزهد فيها أفضل . وإن لم تشغله عن اللّه ، بل كان شاكرا للّه فيها ، فحاله أفضل . والزهد فيها تجريد القلب عن التعلق بها ، والطمأنينة إليها . واللّه أعلم . تعريف الزهد قال صاحب المنازل : « الزهد : هو إسقاط الرغبة عن الشيء بالكلية » . يريد بالشيء المزهود فيه : ما سوى اللّه . والإسقاط عنه : إزالته عن القلب ، وإسقاط تعلق الرغبة به . وقوله : « بالكلية » أي بحيث لا يلتفت إليه ، ولا يتشوق إليه . قال : « وهو للعامة : قربة . وللمريد : ضرورة . وللخاصة : خشية » . يعني أن العامة تتقرب به إلى اللّه . و « القربة » ما يتقرب به المتقرب إلى محبوبه . وهو ضرورة للمريد . لأنه لا يحصل له التخلي بما هو بصدده ، إلا بإسقاط الرغبة فيما سوى مطلوبه . فهو مضطر إلى الزهد ، كضرورته إلى الطعام والشراب . إذ التعلق بسوى مطلوبه لا يعدم منه حجابا ، أو وقفة ، أو نكسة ، على حسب بعد ذلك الشيء من مطلوبه ، وقوة تعلقه به وضعفه . وإنما كان خشية للخاصة : لأنهم يخافون على ما حصل لهم من القرب والأنس باللّه ، وقرة عيونهم به : أن يتكدر عليهم صفوه بالتفاتهم إلى ما سوى اللّه . فزهدهم خشية وخوف .
--> ( 1 ) إن كان المراد : تشغله عن اللّه ربا . فلا يمكنه ذلك ولا يقدر عليه ، لأنه ليس إلا عبدا مربوبا للّه . فاللّه ربه الغني وهو عبده الفقير المحتاج إلى عطاء ربه ، رغم أنفه ، وإن كان المراد : تشغله عن اللّه إلها ومعبودا . فالمؤمن البر التقي لن يحصل له الإيمان الصادق والتقوى إلا بحسن تبصره في الانتفاع بنعم ربه كلها عليه . وأن يكون نظر قلبه محيطا بها من جميع جوانبها ، وأنها من عطاء ربه الغني الحميد . قد تفضل عليه بها يبتليه ويختبره ، كرما منه ورحمة وحكمة ، ليربيه بها ويرفع مكانته وقدره في الأولى والأخرى . فهو مؤلّه لربه وحده ، عابد له أصدق العبادة ربه ، مسلم وجهه له وحده في كل نعمة وبكل نعمة . وهل يكون عابدا ومسلما إلا في هذه النعم وبها ؟ فكيف يزهد فيها ؟ .